• ×

11:27 مساءً , السبت 10 ديسمبر 2016

قائمة

admin

حاجة البشر إلى الدين

بواسطة: admin

 0 تعليقات

 0 إهداءات

 504 زيارات

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط


خلق الله تبارك وتعالى هذا الكون العظيم وسخره للإنسان لا ليقضى فيه شهواته أو ينعم بلذاته فحسب، ولكن ليعبد الله عز وجل، ويقيم شرع الله في الأرض، يقول تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون *فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم} (المؤمنون: 115-116).

يقول الطبري: "يقول تعالى ذكره: أفحسبتم أيها الأشقياء أنا إنما خلقناكم إذ خلقناكم، لعباً وباطلاً، وأنكم إلى ربكم بعد مماتكم لا تصيرون أحياء، فتجزون بما كنتم في الدنيا تعملون؟" .

ويقول الحافظ ابن كثير: "وقوله: { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} أي: أفظننتم أنكم مخلوقون عبثاً بلا قصد ولا إرادة منكم، ولا حكمة لنا، { وأنكم إلينا لا ترجعون} أي: لا تعودون في الدار الآخرة، كما قال: { أيحسب الإنسان أن يترك سدى } (القيامة: 36)، يعني هملاً.

وقوله: {فتعالى الله الملك الحق} أي: تقدَّس أن يخلق شيئاً عبثاً، فإنه الملك الحق المنزه عن ذلك، {لا إله إلا هو رب العرش الكريم}، فذكر العرش؛ لأنه سقف جميع المخلوقات، ووصفه بأنه كريم، أي: حسن المنظر بهي الشكل، كما قال تعالى: {فأنبتنا فيها من كل زوج كريم} (لقمان: 10)" .

فالله عزوجل لم يخلق الإنسان عبثاً، بل خلقه لحكمةٍ وغاية، قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون*ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون*إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} (الذاريات: 56-58).

يقول الشيخالسعدي في تفسيره: "هذه الغاية، التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة إليه والإقبال عليه، والإعراض عما سواه، وذلك يتضمن معرفة الله تعالى، فإن تمام العبادة، متوقف على المعرفة بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة لربه، كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم، فما يريد منهم من رزق وما يريد أن يطمعوه، تعالى الله الغني المغني عن الحاجة إلى أحد بوجهٍ من الوجوه، وإنما جميع الخلق، فقراء إليه، في جميع حوائجهم ومطالبهم، الضرورية وغيرها، ولهذا قال: {إن الله هو الرزاق} أي: كثير الرزق، الذي ما من دابة في الأرض ولا في السماء إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، {ذو القوة المتين} أي: الذي له القوة والقدرة كلها، الذي أوجد بها الأجرام العظيمة، السفلية والعلوية، وبها تصرف في الظواهر والبواطن، ونفذت مشيئته في جميع البريات، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يعجزه هارب، ولا يخرج عن سلطانه أحد، ومن قوته، أنه أوصل رزقه إلى جميع العالم، ومن قدرته وقوته، أنه يبعث الأموات بعد ما مزّقهم البلى، وعصفت بترابهم الرياح، وابتلعتهم الطيور والسباع، وتفرّقوا وتمزّقوا في مهامه القِفَار، ولجج البحار، فلا يفوته منهم أحد، ويعلم ما تنقص الأرض منهم، فسبحان القوي المتين" .

فالغاية من خلق الإنسان هو عبادة الله عز وجل، وهو ما يُعرف بالدين، وحاجة البشر إلى الدين أعظم من حاجتهم إلى ما سواه من ضرورات الحياة؛ لأن الإنسان لا بد له من معرفة مواقع رضى الله عز وجل ومواقع سخطه، ولا بد له من حركةٍ يجلب بها منفعته، وحركةٍ يدفع بها مضرته، والشرع هو الذي يميز بين الأفعال التي تنفع والتي تضر، وهو عدل الله في خلقه، ونوره بين عباده، فلا يمكن للناس أن يعيشوا بلا شرعٍ يميزون به بين ما يفعلونه وما يتركونه.

ولقد فطر الله تبارك وتعالى الناس منذ القديم على التوجّه إليه عز وجل بالعبادة، وإن انحرفت الفطرة في بعض فترات التاريخ فإنها لا تُنكر وجود الرب عز وجل، ولكنّها تتوجه بهذه العبادة إلى آلهة أخرى من اختراعها سواء أكانت الأصنام في الماضي، أو الطبيعة والعلم في الحاضر، يقول المؤرخ الإغريقي (بلوتارك): "قد وجدت في التاريخ مدن بلا حصون، ومدن بلا قصور، ومدن بلا مدارس، ولكن لم توجد أبداً مدن بلا معابد".

وقد تضافرت الدلائل الشرعية على أن التدين فطرة فطر الله الناس عليها، فمن أدلة الكتاب قول الحق سبحانه: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} (الأعراف:172).

ومن أدلة السنة ما ثبت في "الصحيحين" عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه، أو يمجّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟)، ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} (الروم: 30) الآية ، فقد اتفقت أدلة الكتاب والسنة على أن التدين جِبِلَّةٌ إنسانية خُلقت مع الإنسان ووجدت بوجوده، إلا أن تنشئة الإنسان وتربيته تؤثر سلبا على جبلة التدين وتنحرف بها عن مسارها الصحيح.

وحاجة الإنسان إلى الرب والدين تفوق كل حاجاته الحياتية، ولعل من الدلائل على أن التدين ضرورة إنسانية، ما يحسّه الإنسان في نفسه من ضعفٍ أمام بعض مظاهر قدرة الرب عز وجل، كالرياح العاتية، والبحار الهائجة، والزلازل، والبراكين، فإن الإنسان مهما عظمت قوته، وعظم ذكاؤه، فإنه يبقى ضعيفاً أمام هذه الظواهر التي ابتلى الله بها عباده، فيعلم الإنسان من نفسه أن لا قدرة له على دفعها، أو الاحتراز منها، فمن هنا عظمت حاجة الإنسان إلى إله يلجأ إليه ويتوكل عليه، يقول (أرنست رينان): "إن من الممكن أن يضمحل كل شيء نحبّه، وأن تبطل حريّة استعمال العقل والعلم والصناعة، ولكن يستحيل أن ينمحي التدين، بل سيبقى حجّةً ناطقة على بطلان المذهب المادي، الذي يريد أن يحصر الإنسان في المضايق الدنيئة للحياة الأرضية".

ويقول محمد فريد وجدي: "يستحيل أن تتلاشى فكرة التدين، لأنها أرقى ميول النفس وأكرم عواطفها، ناهيك بميل يرفع رأس الإنسان، بل إن هذا الميل سيزداد، ففطرة التدين ستلاحق الإنسان مادام ذا عقل يعقل به الجمال والقبح، وستزداد فيه هذه الفطرة على نسبة علو مداركه ونمو معارفه".

ومن الأمور التي لا يجد الإنسان الإجابة الصحيحة عليها إلا في الدين، هي تلك الأسئلة التي حيرت الفلاسفة منذ القديم: من أين؟ وإلى أين؟ ولم؟!.

ومهما تشغله مطالب العيش عن هذا التساؤل، فإنه لابد وأن يقف يوماً ليسأل نفسه هذه الأسئلة الخالدة ؟، ولا إجابة شافية على هذه الأسئلة إلا في الإسلام، الذي يعرف الإنسان: إلى أين يسير بعد الحياة والموت؟ إنه يعرفه أن الموت ليس فناءً محضاً، ولا عدماً صرفاً، إنما هو انتقال إلى مرحلةٍ أخرى إلى حياة برزخيّة بعدها نشأةٌ أخرى، تُوفّى فيها كلّ نفس ما كسبت.

والدين هو الذي يقول لماذا خُلق الإنسان؟، وما الغاية من وجوده؟، فالإنسان لم يخلق عبثاً، ولم يُترك سُدى، إنما خلق لعبادة الرب عز وجل وإعلاء شرعه الذي جاءت به الرسل.

وبهذا الوضوح في الإجابة تستقيم حياة الإنسان وتصلح حال المجتمعات، فيعيش الإنسان في دنياه مطمئنًا مرتبطاً بالله عز وجل وباليوم الآخر، فيعلم أن المحسن سوف يكافأ على إحسانه، بينما يُعاقب المسيء على إساءته، أما الذي يعيش بدون هذه الأجوبة، ويفتقد لهذا الوضوح فهو إنسان شقي محروم، لا يخضع إلا لقوة العصا، ولا يعيش إلا لبريق المال ولذة الشهوة، بل إنه في نظر نفسه مخلوقٌ حيواني، ولا يفترق عن الحيوانات الكبيرة التي تدبّ على الأرض من حوله، إلا إنه "حيوان ناطق" فهو يعيش بدون أن يعرف للحياة هدفًا، إنه يرى في نفسه مخلوق صغير تافه لا وزن له ولا قيمة.

وما أقسى حياة إنسانٍ يعيش في جحيم الشك والحيرة، أو في ظلمات العمى والجهل، في أخص ما يخصه: في حقيقة نفسه، وسر وجوده، وغاية حياته، إنه الشقي التعيس حقا، وإن غرق في الذهب والحرير، وأسباب الرفاهية والنعيم، وحمل أرقى الشهادات، وتسلم أعلى الدرجات.

ومن الحاجات الهامة التي يلبيها الدين، حاجة الإنسان إلى الاطمئنان النفسي، فإن الإنسان في أشد الاحتياج إلى ركنٍ شديد يأوي إليه، وإلى سندٍ متين يعتمد عليه، فإذا ألمّت به الشدائد، وحلّت بساحته الكوارث، هنا تأتي العقيدة الدينية، لتمنحه القوة عند الضعف، والأمل في ساعة اليأس، والرجاء في لحظة الخوف، والصبر في البأساء والضراء، وحين البأس.

ويجسّد هذا الأمر قول الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذ يقول: "ما أصبت بمصيبة إلا كان لله علي فيها أربع نعم: أنها لم تكن في ديني، وأنها لم تكن أكبر منها، وأنني لم أحرم الرضا عند نزولها، وأنني أرجو ثواب الله عليها".

أما الذي يعيش في دنياه بغير دين، بغير إيمان، يرجع إليه في أموره كلها وبخاصة إذا ادلهمت الخطوب، وتتابعت الكروب، والتبست على الناس المسالك والدروب، فهو يعيش في نكد وهمّ، يقتله القلق وتدمر حياته الأخبار السيئة، وتمزقه أنباء البورصة وتحركات الأسهم.

يقول المؤرخ البريطاني (آرنولد توينبي): "الدين إحدى الملكات الضرورية الطبيعية البشرية، وحسبنا القول بأن افتقار المرء للدين يدفعه إلى حالة من اليأس الروحي، تضطره إلى التماس العزاء الديني على موائد لا تملك منه شيئاً".

ويقول (ديل كارنيجي) في كتابه "دع القلق وابدأ الحياة": "إن أطباء النفس يدركون أن الإيمان القوي والاستمساك بالدين، كفيلان بأن يقهرا القلق، والتوتر العصبي، وأن يشفيا من هذه الأمراض".

كذلك فإن الدين يحقّق للمجتمع التماسك والترابط والصلاح، فمن أهم حاجات المجتمعات حاجتها إلى بواعث وضوابط؛ بواعث تدفع أفراده إلى عمل الخير، وأداء الواجب، وإن لم يوجد من البشر من يراقبهم، أو يكافئهم، وضوابط تحكم علاقاتهم، وتُلزم كل واحد منهم أن يقف عند حدّه، ولا يعتدي على حق غيره أو يفرط في خير مجتمعه من أجل شهوات نفسه، أو منفعته المادية العاجلة، ولا تحقّق القوانين ذلك، بل ما أيسر خرق القوانين لمن لم يكن متدينًا، ولعل من الوقائع في هذا الأمر في القديم والحديث الشيء الكثير، ومن ذلك أن مدينة أمريكية انقطعت فيها الكهرباء لمدة ثماني ساعات فما ترك فيه محلٌّ إلا وسُرق، وما حدث إبان إعصار كاترينا الذي ضرب الساحل الشرقي لأمريكا ليس ببعيد، حيث انتشر النهب والسرقة والاغتصاب بشكلٍ لم يتصوره أحد، ولم يكن ذلك إلا بسبب غياب كاميرات المراقبة فظهرت الأخلاق الأمريكية على حقيقتها، وعن أهمية الدين في ضبط المجتمعات يقول (فولتير): "لِمَ تشككون في وجود الله، ولولاه لخانتني زوجتي، وسرقني خادمي"، ويقول (بلوتارك): "إن مدينة بلا أرض تقوم عليها، أسهل من قيام دولة بلا إله".

لذلك فإنه لا يوجد على وجه الأرض قوةٌ تكافئ قوة التدين أو تدانيها في كفالة احترام القانون، وضمان تماسك المجتمع واستقرار نظامه، والتئام أسباب الراحة والطمأنينة فيه.

ولذلك فإنه مهما استعلنت المذاهب المادية الإلحادية وتزخرفت، ومهما تعددت الأفكار والنظريات، فلن تُغني الأفراد والمجتمعات عن الأنبياء، ولن تستطيع أن تلبّي متطلبات الروح والجسد، بل كلما توغل الفرد فيها أيقن تمام اليقين أنها لا تمنحه آمنا ، ولا تروي له ظمأ ، وألا مهرب منها إلا إلى الدين الصحيح.